الشيخ محمد علي الأنصاري
448
الموسوعة الفقهية الميسرة
اصطلاحلاحا : يراد به في لسان الفقهاء - كما هو المستفاد من موارد استعمالاتهم له - إظهار الباطل في لباس الحقّ وشبيها به ، بصيغة مقبولة ، مثل شهادة الزور ، حيث يظهر الشاهد شهادته في صيغة مقبولة وشبيهة بالواقع ، مع أنّها خلاف الواقع . ومن نماذجه تزوير الكتب ، وهو أن يكتب كتاب باسم شخص ، لكن لم يكن هو الكاتب واقعا ، فيظهر المزوّر أنّ كاتب هذه الكتابة هو ذلك الشخص ، إمّا بتشبيه خطّه أو توقيعه ، أو نحو ذلك ، فيلتبس الأمر ، فهنا يجعل المزوّر الكتابة المزوّرة أو الإمضاء المزوّر شبيها بالكتابة أو الإمضاء الواقعيين ، بحيث يلتبس الأمر على من يراهما . الأحكام : تترتّب على التزوير عدّة أحكام نشير إليها إجمالا : الحكم التكليفي للتزوير : بما أنّ حقيقة التزوير هي إراءة خلاف الواقع بمنزلة الواقع ، فهو نوع من الكذب ، ولذلك فالأصل فيه هو الحرمة إلّا في بعض الموارد المستثناة من الأصل ، كما يستثنى من حرمة الكذب بعض الموارد . ما يستثنى من حرمة التزوير : إذا أرجعنا التزوير إلى الكذب ، وقلنا : إنّ التزوير هو الكذب ، فما يستثنى من حرمة الكذب يمكن أن يستثنى من حرمة التزوير أيضا ، وما يستثنى من حرمة الكذب هو : أوّلا - الضرورة : لا إشكال في قبح الكذب ، وأنّ قبحه ليس كقبح الظلم ذاتيّا ، بل بالوجوه والاعتبارات ، فالظلم ما دام ظلما فهو قبيح ، لكنّ الكذب قد يقبح ، كما هو الحال في أكثر الموارد ، وقد لا يقبح وذلك في بعض الموارد ، وهي موارد الاستثناء التي منها الضرورة « 1 » . [ الأدلّة على استثناء الضرورة من حرمة الكذب وقبحه : ] ويدلّ على استثناء الضرورة من حرمة الكذب وقبحه الأدلّة الأربعة ، كما قال الشيخ الأنصاري « 2 » ، وهي : 1 - الكتاب : ويدلّ عليه من الكتاب ما يدلّ على جواز التقيّة ، وهو قوله تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ « 3 » ، وقوله تعالى : لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً « 4 » . الآيتان تدلّان على جواز التقيّة ، وهي تستدعي الكذب غالبا .
--> ( 1 ) انظر مصباح الفقاهة 1 : 403 . ( 2 ) انظر المكاسب ( للشيخ الأنصاري ) 2 : 21 . ( 3 ) النحل : 106 . ( 4 ) آل عمران : 28 .